بعيدًا عن إنفيديا وهواوي… DeepSeek تتجه لتطوير رقاقاتها الخاصة للذكاء الاصطناعي

بعيدًا عن إنفيديا وهواوي… DeepSeek تتجه لتطوير رقاقاتها الخاصة للذكاء الاصطناعي

يشهد قطاع الذكاء الاصطناعي أزمة غير مسبوقة في توافر قدرات الحوسبة، وهو ما أعاد تشكيل موازين القوى داخل صناعة أشباه الموصلات. ومع استمرار نماذج الذكاء الاصطناعي في النمو من حيث الحجم والتعقيد، أصبح الوصول إلى الشرائح عالية الأداء ضرورة أساسية بدلاً من كونه ميزة تنافسية. وتعتمد معظم شركات الذكاء الاصطناعي على وحدات معالجة الرسومات من سلسلة H التابعة لإنفيديا، بينما اتجهت الشركات العاملة في الأسواق الخاضعة لقيود التصدير إلى البدائل المحلية.

أما شركة DeepSeek، التي تتخذ من مدينة هانغتشو الصينية مقرًا لها وتقف وراء نموذج الاستدلال R1، فتبدو وكأنها تسلك مسارًا مختلفًا. وتشير التقارير إلى أن الشركة أمضت العام الماضي في تطوير برنامج سري لتصميم رقاقات الذكاء الاصطناعي الخاصة بها. وبعد أن أثبتت قدرتها على تقديم أداء تنافسي باستخدام مزيج من الشرائح الغربية والصينية، يبدو أنها تتجه الآن إلى توسيع نشاطها من البرمجيات نحو استراتيجية متكاملة تشمل العتاد أيضًا.

ويمثل تطوير رقاقات مخصصة استثمارًا مرتفع التكلفة وعالي المخاطر. ومن خلال هذه الخطوة، تسعى DeepSeek إلى تقليل اعتمادها على الموردين الخارجيين وتعزيز قدرتها على مواجهة تقلبات سلاسل التوريد المحلية والعالمية. كما يعكس هدفها المعلن لجمع تمويل بقيمة 7 مليارات دولار حجم هذه الطموحات. ويمكن تلخيص استراتيجيتها في خمس ركائز رئيسية.

1. تقليل الاعتماد على مورد واحد للرقاقات

لا يهدف مشروع DeepSeek إلى تقليل الاعتماد على شرائح إنفيديا المتقدمة المتأثرة بقيود التصدير الأمريكية فحسب، بل يسعى أيضًا إلى الحد من الاعتماد على الشركات الصينية الكبرى مثل هواوي.

فقد استخدمت الشركة وحدات Nvidia H800 لتدريب نموذج R1 قبل فرض القيود الإضافية في أواخر عام 2023، كما جرى تصميم نموذجي V4-Pro وV4-Flash للعمل مع منصة Huawei Ascend 950DT. ومع ذلك، يبدو أن هدفها النهائي هو تشغيل برمجياتها عبر منصات متعددة من أشباه الموصلات.

ويتمثل العنصر الأساسي في هذه الاستراتيجية في تطوير طبقة برمجية تجعل العتاد الأساسي قابلًا للاستبدال. وتشير تحليلات حديثة إلى أن بنية V4 متوافقة مع ثمانية تصميمات مختلفة للرقاقات الصينية، من بينها منتجات Hygon وT-Head التابعة لعلي بابا. ويمنح هذا التوافق الشركة مرونة أكبر عند اختيار موردي العتاد.

وبحسب أحد التحليلات، فإن امتلاك شريحة مخصصة قد يساعد الشركة على تجنب الاعتماد المفرط على أي مورد محلي واحد، بما في ذلك هواوي.

2. التركيز على الاستدلال بدلًا من التدريب

تشير التقارير إلى أن DeepSeek تركز في تصميم رقاقاتها على مهام الاستدلال (Inference) بدلاً من تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.

ويتيح هذا التوجه للشركة تجنب أقوى عناصر تفوق إنفيديا، والمتمثلة في منظومة CUDA البرمجية وتقنيات مثل NVLink التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بعمليات تدريب النماذج.

كما يمثل الاستدلال أحد أكبر مصادر التكلفة التشغيلية المتكررة لخدمات الذكاء الاصطناعي واسعة النطاق. وإضافة إلى ذلك، فإن رقاقات الاستدلال تتطلب عادة تقنيات تصنيع أقل تقدمًا مقارنة برقاقات التدريب، ما يسمح بتحقيق كفاءة مرتفعة باستخدام عمليات تصنيع أكثر سهولة، وهو ما يجعل هذه الاستراتيجية أكثر عملية في ظل القيود الحالية على الإنتاج.

3. استراتيجية توظيف منخفضة الظهور

عادةً ما يتطلب بناء فريق متخصص في تصميم أشباه الموصلات حملات توظيف واسعة، إلا أن DeepSeek اختارت نهجًا أكثر هدوءًا. وتشير التقارير إلى أن الشركة أمضت نحو عام في استقطاب مهندسي تصميم الرقاقات عبر تواصل مباشر، دون نشر أي إعلانات توظيف عامة.

وقد يساعد هذا الأسلوب الشركة على تجنب المنافسة المباشرة على الكفاءات في مدينة هانغتشو، التي تضم شركات تقنية كبرى مثل علي بابا. كما يسهم في تقليل الكشف عن تفاصيل تقنية تتعلق ببنية الرقاقات، مثل شركاء الذاكرة ودعم المترجمات البرمجية.

4. الانضمام إلى التوجه العالمي نحو الرقاقات المخصصة

تعكس الخطوة التي تتخذها DeepSeek اتجاهًا أوسع في قطاع الذكاء الاصطناعي، حيث تعمل شركات ومختبرات رائدة على تطوير عتاد مصمم خصيصًا ليتوافق مع نماذجها البرمجية. وتتيح الرقاقات المخصصة للشركات تحسين التكامل بين العتاد والبرمجيات بدرجة لا تستطيع وحدات معالجة الرسومات التقليدية توفيرها.

وفي حال نجاح المشروع، ستنضم DeepSeek إلى مجموعة متزايدة من الشركات التي تتبنى هذا النهج، وتشمل:

  • OpenAI، التي تطور أول شريحة استدلال خاصة بها تحت اسم Jalapeño بالتعاون مع Broadcom.
  • Cerebras، التي تعمل على تقديم نفسها كشريك في مجال عتاد الاستدلال لمختبرات الذكاء الاصطناعي، بما فيها OpenAI.
  • Anthropic، التي تشير التقارير إلى أنها تبحث خيارات لتطوير سلاسل توريد خاصة بالرقاقات، بما في ذلك مناقشات تصنيع مع سامسونج.
  • Google وAmazon، اللتان تمتلكان منذ سنوات برامج TPU وTrainium/Inferentia.
  • Alibaba وBaidu، اللتان توفران بالفعل مسرعات ذكاء اصطناعي مطورة داخليًا داخل السوق الصينية.

5. التصنيع يظل التحدي الأكبر

حتى إذا نجحت DeepSeek في تصميم معالجها الخاص، فإن عملية التصنيع تظل العقبة الأبرز. فقيود التصدير الحالية التي تفرضها الولايات المتحدة وهولندا تحد من الوصول إلى أحدث تقنيات تصنيع أشباه الموصلات، ما يجعل شركة SMIC الخيار الرئيسي المتاح أمام DeepSeek.

وتقتصر قدرات SMIC حاليًا على تصنيع الشرائح بدقة 7 نانومتر، وهو ما يمثل الحد العملي للإنتاج المحلي. وفي الوقت نفسه، تطرح إنفيديا معالج Vera CPU ضمن جهودها لتعزيز حضورها في السوق الصينية، وتشير التقارير إلى أنها تروج له باعتباره حلًا مناسبًا لمختبرات الذكاء الاصطناعي المحلية.

وبذلك يمكن النظر إلى مشروع DeepSeek على أنه محاولة لتعزيز استقلالها التقني قبل احتدام المنافسة بصورة أكبر. وكان مؤسس الشركة Liang Wenfeng قد أقر في عام 2024 بأن قيود تصدير الرقاقات شكلت تحديًا أمام الشركة، وأن نجاح مشروعها سيعتمد على قدرة المصانع المحلية على مواكبة متطلبات تصميماتها في ظل القيود التجارية المستمرة.

الخلاصة: استثمار بقيمة 7 مليارات دولار من أجل الاستقلال

تشير التقارير إلى أن DeepSeek تستهدف جمع تمويل جديد بقيمة تقارب 7 مليارات دولار، مع تقييم يتراوح بين 52 مليار دولار و59 مليار دولار. ويعكس هذا التمويل التزام الشركة بتطوير عتادها الخاص. ومن خلال تصميم معالج مخصص للاستدلال، تأمل DeepSeek في خفض تكاليف التشغيل على المدى الطويل وتعزيز مكانتها في سوق الذكاء الاصطناعي العالمية رغم التحديات الجيوسياسية.

وإذا نجحت الشركة في تحقيق هذا الهدف، فقد تثبت أن شركة متخصصة في البرمجيات قادرة على التوسع بنجاح إلى مجال تصميم أشباه الموصلات. ومع ذلك، يبقى سؤال أساسي مطروحًا: هل تستطيع شركات البرمجيات تجاوز التحديات المرتبطة بتصنيع الرقاقات المتقدمة، أم أن القيود المفروضة على تصنيع أشباه الموصلات ستحدد في النهاية مستقبل موجة الرقاقات المخصصة؟



Facebook Twitter Copy Link WhatsApp